تأثير الاتجاهات الدينية المتطرفة في سوريا على شمال لبنان: واقع وتحديات

ماريبال طعوم
الشمال اللبناني والتأثيرات الأمنية
شهد شمال لبنان، خلال السنوات الماضية، تأثيرات مباشرة للأحداث في سوريا، حيث أدى تصاعد الاتجاهات الدينية المتطرفة إلى تعقيد الواقع الأمني والاجتماعي في المناطق ذات التعددية الطائفية، خاصةً في طرابلس ومحيطها. هذا التأثير تجاوز الجانب الأمني ليشمل النسيج الاجتماعي والخطاب السياسي، مما وضع الأجهزة الأمنية والمجتمع المدني أمام تحديات جديدة. في ظل التحوّلات السياسية والاجتماعية التي تمرّ بها المنطقة، تظهر انعكاسات هذه الاتجاهات على شمال لبنان كموضوع حيوي للنقاش. ولتسليط الضوء على هذه القضية، أجرينا مقابلة مع الصحافي شارل جبور، الذي عرض رؤيته حول تأثير هذه الظاهرة على النسيج الاجتماعي والسياسي، إلى جانب استكشاف التحديات والحلول الممكنة لمواجهتها.
إجراءات الأجهزة الأمنية
في مواجهة هذا التحدي، اتخذت الأجهزة الأمنية اللبنانية سلسلة من الإجراءات، أبرزها تنفيذ عمليات استباقية لتعقب الخلايا النائمة وتفكيك شبكات التهريب التي سهلت انتقال المسلحين بين الحدود اللبنانية السورية. كما عززت وجودها في المناطق الحدودية وداخل طرابلس لمراقبة أي تحركات مشبوهة قد تشكل تهديدًا للأمن الوطني. ورغم هذه الجهود، ظل الوضع الأمني هشًّا نظرًا لتعقيدات المشهد السياسي الداخلي وتداخل العوامل الإقليمية.
الانعكاسات الاجتماعية
لم تكن التأثيرات الأمنية وحدها محور الاهتمام، إذ انعكست هذه الأحداث بشكل مباشر على النسيج الاجتماعي في شمال لبنان، خاصة في المناطق ذات التعددية الطائفية. فقد شهدت هذه المناطق تصاعدًا في الخطاب الطائفي نتيجة لمحاولات استقطاب الشباب نحو تيارات متطرفة، ما أدى إلى انقسامات اجتماعية أعمق، وزيادة حدة التوتر بين مكونات المجتمع.
الخطاب السياسي والديني
فيما يتعلق بالخطاب الديني والسياسي، لم يسجل تغيّر جوهري في الخطاب السيادي السني، الذي استمر في التمسك بمبدأ الدولة والدستور، مع التأكيد على ضرورة نزع سلاح “حزب الله” كخطوة أساسية لاستعادة سيادة الدولة. إلا أن تصاعد التطرف في سوريا دفع بعض الجهات إلى تبني خطاب أكثر تشددًا، كرد فعل على ممارسات محور الممانعة في المنطقة.
دور المجتمع المدني
في ظل هذه الأوضاع، برز دور المجتمع المدني الذي كثّف جهوده في نشر الوعي حول مخاطر الفكر المتطرف، من خلال تنظيم حملات توعية وبرامج دعم للشباب في المناطق الأكثر تأثرًا، سعيًا إلى تقديم بدائل إيجابية تمنع انخراطهم في دوامات العنف.
انعكاسات على العلاقات السياسية
هذه التطورات لم تخلُ من تأثيرات على العلاقات السياسية الداخلية، إذ تصاعدت حدة الانقسام بين القوى السيادية التي تطالب بحصر السلاح بيد الدولة، وبين محور الممانعة الذي يبرر استمرار تسلّحه بذرائع أمنية. كما ألقت هذه الأزمة بظلالها على العلاقات مع دول الخليج والمجتمع الدولي، حيث رأى كثيرون أن دعم الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية ضروري لمواجهة التطرف وحفظ الاستقرار.
تعاون إقليمي ودولي
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد عمل لبنان على تعزيز تعاونه مع الدول الراغبة في مساعدته لمواجهة انعكاسات التطرف، حيث تلقى دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا لمكافحة الإرهاب، خاصة من دول الخليج والدول الغربية التي ترى في استقرار لبنان ضرورة لحماية أمن المنطقة ككل.
إن تأثير الاتجاهات الدينية المتطرفة في سوريا على شمال لبنان شكّل تحديًا أمنيًا واجتماعيًا كبيرًا، يتطلب معالجة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية لتشمل إصلاحات اجتماعية واقتصادية تعزز مناعة المجتمع. وفي ظل استمرار هذا الواقع المعقد، يبقى الرهان الأكبر على استعادة الدولة لدورها السيادي، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، باعتباره السبيل الوحيد لضمان استقرار لبنان وحمايته من تداعيات الأزمات الإقليمية.